يحيي بن حمزة العلوي اليمني
193
الطراز لأسرار البلاغة وعلوم حقائق الإعجاز
التعريف الأول ذكره ابن الأثير ، وحاصل ما قاله : أنه اللفظ الدال على الشئ من طريق المفهوم ، لا بالوضع الحقيقي ، ولا المجازى . فقوله اللفظ الدال على الشئ ، عام في جميع ما يدل عليه اللفظ من جهة النص والظاهر والحقيقة والمجاز ، وقوله من طريق المفهوم ، يخرج جميع ما ذكرناه ، فإن دلالتها من جهة اللفظ ، لا من جهة مفهومها ، وقوله لا بالوضع الحقيقي ولا المجازى ، تفصيل لما تقدم وبيان له وإيضاح ، وليس يحترز به عن شيء آخر ، ولو حذفه لجاز ، هذا ملخص كلامه مع فضل بيان منا له في القيود ، ولم يذكره في كتابه . وهذا التعريف فاسد لأمرين ، أما أولا فلأن المفهوم منقسم إلى ما يكون مفهوم الموافقة ، وإلى مفهوم المخالفة ، فأما مفهوم الموافقة ، فهو كقوله صلّى اللّه عليه وسلّم : « لا تضحوا بالعوراء » « 1 » فإنه يدخل فيه العمياء « ولا تضحوا بالعرجاء » فإنه يدخل فيه مقطوعة الرجلين من جهة مفهومه ، وأما مفهوم المخالفة فكقوله عليه السلام : « لا تبيعوا الطعام بالطعام ، إلا مثلا بمثل » فما لا يكون مطعوما لا يجرى فيه الربا على زعم الشافعي ، فدل على أن ما عدا المطعوم بخلافه ، وكل واحد من هذين المفهومين مأخوذ من جهة اللغة ، ودالة عليها الألفاظ ، والتعريض ليس مفهوما من جهة اللفظ كما قرر عليه كلامه ، فهذه مناقضة ظاهرة ، لأن قوله من طريق المفهوم ، يدل على كونه لغويا ، وتصريحه بأن التعريض يفهم من قصد المتكلم لا من طريق اللفظ ، ينقض ذلك ، وأما ثانيا فلأن قوله : « لا بالوضع الحقيقي ولا المجازى » ففضلة لا يحتاج إليها ، لأن ما قبله من القيود قد أغنى عنه ، ومن حق ما يكون حدا أن لا يكون فضلة ، فإن زعم زاعم وقال : إن ابن الأثير غرضه بقوله هو اللفظ الدال على الشئ من طريق المفهوم ، ليخرج به النص والظاهر ، فإن دلالتهما من جهة المنطوق ، لا من جهة المفهوم . وقوله : « لا بالوضع الحقيقي ولا بالوضع المجازى » ليخرج منه الاستعارة ، فإن دلالتها من جهة المجاز على مدلولها ، ويخرج منه الكناية ، فإن دلالتها على ما تدل عليه من طريق الحقيقة والمجاز جميعا ، بخلاف التعريض فإنه خارج عن هذه الدلالات الحقيقية والمجازية جميعا ، فجوابه هو أن دلالة التعريض إنما هي من جهة القرينة ، وليست من جهة المفهوم كما زعمه ابن الأثير ، لأن دلالة المفهوم لغوية ، ولا هي حاصلة من جهة المنظوم
--> ( 1 ) الحديث صحيح بمعناه . انظر شرح الطيب للمشكاة 1463 - 1465 بتحقيقنا ط نزار الباز .